يا حيف.. يا حيف - ارشيف موقع جولاني
الجولان موقع جولاني الإلكتروني


يا حيف.. يا حيف
داوود الجولاني
29\03\2011‏‏
الساعة قبل العاشرة صباحا بدقائق معدودة، يوم ربيعي يلي عيد الأم بأيام لم تتجاوز نهاية الشهر. والساعة العاشرة في توقيتنا المحلي تدل على موعد دفن الموتى .

شخص مثقل بالهم يصعد التلّة المقابلة للمقبرة.. وصل وجلس متربعا فوق سطح من الأسمنت بلله التراب ونبت فيه عشب وزهر، قطف وردة وأخذ ينتظر قدوم الجنازة... كان تعب من السهر ومن غصّات الدمع في مقلتيه..

قال: من موقعي هذا لن يراني أحد.. سأرمي الوردة فوق تابوتها.. المهم أن يحس الخشب بوردتي.. روحها تعرف أني هنا وستغفر لي عدم حضوري طقوس الجنازة.. وستتلو لي بشفاه طفلة مولودة شفاعات، وقدسيات، وكلمات حنونة.. حتى وهي فوق بطن أمها الجديدة. هي تعرف أني أمشي خلف وصيتها: "قلها يا طفلي ومت.. الدرب قصير، أرصفه بالكلام.. زينه بنظرة عينيك، زخ عليه دعسات أطفالك، ورش تحت أقدامهم ماءً وطيب، وإياك رأسك ينحني، إلا لتقبل من تعشق وتحب".

رآه إمام المدافن يرمي الوردة فأمسكها بيده.. وخلسة من الجمع الغفير فتح التابوت وأدخلها فوق جسد الميتة ثم نظر إليه مشيرا بيده ففهم أنه يأذن له أن يكتب بعض السطور فوق ورقة، فكتب:

"أمي لماذا لم تتركيني أرعى الغنم.. ليتك لم تشجعيني على فك الحرف والقراءة.. ليتك يا ميتة لم تقصّي علي حكايات الشاطر حسن ولا حكايات المياسة والمقداد.. ليتك لم تقصّي علي قصة ليلى والذيب.. ليتك يا أم لم تقولي يوما.. أن الإنسان عابر في جسده والفكرة باقية..

يا أم .. ليلى ماتت وتموت.. والذئب أحنّ من الناس.. يا حيف يا أمي تموت ليلى ويبقى الذيب."

إمام المدافن لف الورقة ودسها في حضن الميتة